إن الحقب الديمقراطية التي مارس فيها هذا الشعب حق اختيار حكامه لم تتجاوز أطولها أربعين شهراً. ولم يعط الشعب خلالها حزباً بعينه الحق في حكم البلاد منفرداً وبأغلبية مريحة حتى نحكم عليه أو له.

    إن ائتلاف الأحزاب لا يكشف بشفافية الصورة الحقيقية ولا الصورة الصادقة لتجربة الحزب الواحد في الحكم. والانقلابات العسكرية المتتابعة لم تمهل ولم تمنح فرصةً واحدةً للشعب ليقوّم التجربة الديمقراطية وأداء الأحزاب التي حكمت خلالها حتى يختار هذا الشعب في المرة التالية حزباً واحداً ليحكم منفرداً. من يدري، قد يختار الشعب في الدورة الانتخابية التالية، أو ربما في التي تليها، الحزب المؤهل لإدارة شئون البلاد.

    لم تتح الفرصة لحزب معين كي ينفرد بالحكم حتى تتبلور طريقته في إدارة البلاد ويستبين موقفه من أهدافه الانتخابية فينفر منه مؤيدوه أو تزداد شعبيته. كذلك لم يجد الشعب، صاحب الحق، مهلةً تامة أو زمناً كافياً للاستماع إلى أو معرفة ودراسة برامج الأحزاب الأُخرى أو الأحزاب الجديدة ومحاورتها لليتحرر من القديم ويستجيب لإهداف الحزب الجديد أو الحزب البديل. إنه ليس بالبداهة أن يهجر المواطن البسيط حزب الآباء والأجداد ليلتحق بأخر مغمور في فتـــرة وجيزة. بالطبع، إن الارتماء في أحضــان المجهــول أمــرٌ تعــافـــه النفــس البشـريـــة.

    التجربة الديمقراطية تحتاج لصبر؛ والصبر في هذه الحالة، سلوك حضاري يكتنفه الإيمان الصادق بحق إرادة الشعوب في اختيار حكامها.

    والتغيير في سلوك الشعوب وطريقة تفكيرها لا يأتي بين عشية وضحاها. إن تأريخ الديمقراطيات العريقة يشهد بذلك. لقد قضينا، نحن المتعلمون، ستة عشر عاما (على الأقل) لنُكمل تعليمنا الجامعي، وبعضنا لم يغير في سلوكه ولا في طريقة تفكيره ولا في نمط تقويمه للمتغيرات الآنية، فكيف بشعب جلّه أمي؟ الشخص الذي ينعت شعبه بالجهل ليبرر حكمه لهذا الشعب بالقوة، يكون قد ارتكب جرمين…

    الجرم الأول: فرض نفسه بالقوة كحاكم على شعبه، وهذا ظلم وسرقة لحق الآخرين، مهما ساق من مبررات؛ أليس هذا سلوكاً غير أخلاقي ولا حضاري ولا صلة له بالصالح الوطني؟

    والجرم الثاني: حكم على شعبه بالتخلّف والتبلّد وحرمه حتى حــق التعــلُّم فـي التميــيز بــين الصــالــح والطــالح بـــدون ضــغوط إجتماعيـــة ولا ضــغوط ماليـــة ولا ضــغوط سياســـية ولا ضــغوط عقائديــــة مســـيســـة.

>> تفاصيل أكثر في كتابنا (رأي في حكم بلادي..) هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *