موسم الخريف في قرية الدبة من أحب المواسم لصبية الدبا … حيث تعم الخضرة وتغطي كافة سهول ووديان الدبة وتعطي هذه الخضرة منظراً طبيعياً خلاباً، وما أحلى الخضرة عندما تُمعن النظر فيها طويلاً …

في هذا الفصل يبدأ الصبية السباحة غير المرشدة في خور الدبة عندما تتقطع مياهه إلى برك صغيرة وضحلة …

    وفي يوم من الأيام، إمتلأ الخور تماماً وكان مندفعاً بقوة لم يشهد صبية القرية مثل هذه الحالة من قبل… وقف الصبية جمعيهم يتفرجون على هذا الخور الهائج بمياهه، حيث الحيوانات وجذور الأشجار الضخمة التي جرفها هذا الخور وهي تتدحرج في جوفه المخيف … كانت مياه الخور تحدث صوتاً مرعباً ومتوعدةً بكل من تسول له نفسه أو يحاول السباحه فيها أو حتى من يقترب منها … عادةً، كان الصبية يدخولون في جوف الخور ويسبحون عندما تكون مياهه هادئة وغير عميقة، أما هذه المرة فالأمر مختلف تماماً …

    في أثناء مراقبة الصبيـــة للخـــور الثائـــر، ظـــهر الصبي “الريح ود التـــوم” راكضــــاً نحـــو رفاقـــه صائــحاً: “يا جبناء … لماذا لم تخوضوا الخور؟” … وعندما تأمل الريح في الخور جيداً، قال وهو حذر: “إذا دقشت الخور (قفزت في جوف الخور)، هل تساعدوني على الخروج منـه؟” … وبسرعـــة فائقـــة رد حامـــد الزيــــن: “نعم”… علماً أن حامد الزين هذا لايستطيع أن ينقذ نملة تغرق في جرة ماء نسبةً لنحافة جسمه وقصر قامته … صدّق الريح قول ود الزين وتجرد من ملابسه تماماً كما ولدته أمه وقفز بقوة وحماسة في جوف الخور الهائج … “يا الله، يا ألله … سيغرق هذا الصبي” تمتم الصبية … لقد اختفى الريح تماماً ثم ظهر متعلقاً بل متشبثاً بجزع شجرة ضخفة … ثم يغوص جزع الشجرة ويظهر تارةً وعليه الريح متشبثـــاً بــه، والصبيـــة يصرخــور طلبـــاً للنجـــدة.

    سمع أهالي الدبه إستغاثة الصبية بجانب الخور، فأيقن الجميع أن أحد الصبية في حالة غرق … فهرع الجميع إلى حيث الصراخ ومعهم كمية من الحبال … طبعاً لا أحد من أهل القرية يجيد السباحة خاصةً مع هذا الخور الهائج (جداً) … وعندما علموا ماحدث، ركض رجال الدبة في إتجه جريان الماء لمسافة تخطوا بها الجزع المتحرك ودفعوا بأحدهم داخل الخور وحوله تلتف حزم من الحبال … فجأةً ظهر الريح على جزع الشجرة، فقفز الرجل بقوة على الجزع المتحرك وسحب الريح … فبدأ القوم بسحب الرجل والريح بالحبال وبسرعة فائقة إلى جرف الخور … رأى الصبية الريح وهو بين الحياه الموت، بعضهم يبكي والآخر يصرخ في وجه حامد الزين قائلاً: “كله منك يا حامد ود الزين … كله منك يا حامد الزين” …

    نال حامد علقة ساخنة من أحد الأهالي وحمل الرجال الريح إلي بيت أمه وهو يستعيد بعض أنفاسه … ما هي إلا ثلاثة أيام استعاد الريح قوته وأخذ يشارك رفاقه الصبية في مرحهم … ســـعدوا الصـــبية كـــثيراً لنجـــاد رفيقهـــم وعودته إلى مسرح الطفولـــة.

    من أميز الأشهر عند صبية قرية الدبة هو شهر رمضان … هذا الشهر العظيم هو شهر المتعة في الأكل والشرب بنسبة لهم … في النهار يتمتعون بكل الوجبات بعيداً عن أعين الكبار الصائمين … وفي المساء عند الأفطاريشاركون الصائمين في إفطارهم … فيستمتعون بكل ما طاب من شراب العصائر وطعام شهي ولذيذ …

    أما في يوم عيد الفطر المبارك، يلبس الصبية والصبايا الثياب الزاهية بألوانها الجميلة والمختلفة ويأكلون لقيمات عيد الفطر بشهية ويطوفون القرية من بيت وإلى بيت لتلقي هدايا العيد من حلوى وتمــــر وكعك وبعض النقود من الرجال العزْب … إن رمضـــان شـــهر عظيــم وبركاتــــه كثيـــرة وخيراتـــه لا تُحصـــى.

    أما عيد الأضحى، فيسميه الصبية عيد اللحم … لايتعاطى أهل الدبة اللحم الأحمر في حياتهم اليومية إلا ما ندر، اللهم إلا في المناسبات الإحتفالية كالأعراس ومناسبات الختان أو عند أكرام ضيف عزيز، وأحياناً لحم الصيد خاصةً لحم الغزال … لم يذق سعد لحم أطيب من لحم الغزال …

    في عيد الأضحي كانت هواية هؤلاء الصبيا التواجد في اللحظة التى يسلخ فيها الآبأء خراف الأضحية … كان أبو سعد يعطي كل صبي أثناء سلخ خروفه قطعة محترمة من اللحم ليشويها ويتمتع برائحة الشواء أولاً ثم بمدغها ثانياً … كان الصبي رمضان من ضمن الصبية الذين نالوا القطع من اللحم من أبي سعد … ذهب رمضان وشوى قطعة اللحم جيداً ثم أتي ليتابع عملية سلخ الخروف مع رفاقه مستمتعاً بمضغ اللحم قطعةً قطعة … كانت هناك دجاجة مع صغارها العشرة تحوم حول الصبي رمضان … ترقب لحم الخروف المتدلي وكأنها تتمنى أن تحصل على قطعة منه لإطعام صغارها … وفجأةً قفزت وخطفت باقي لحمة رمضان من يده، وهي قطعة كبيرة لا بأس بها … ركض رمضان خلف الدجاجة وهو يصرخ ويشتم الدجاجة بحدة وبألفاظ غير لائقة إجتماعياً حتى أجبرها برمي قطعة اللحم جانباً لتنجو من غضبه … ثم ركض رمضان نحو القطعة وحشرها في فمه بالرغم من أن فمه لا يســع القطعـــة بسهولـــة، ولا يهم إن كانت القطعة نظيفة أم لا، قائـــلا: “عشـــان مــا تحومـــي حولـــي مـــرة ثانيـــة”.

>> تفاصيل أكثر في كتابنا (يا وطني..) هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *